تُعد تحويلات المصريين بالخارج شريان حياة للاقتصاد المصري، لكنها شهدت تراجعًا حادًا منذ عام 2022. يطرح هذا التقرير تساؤلًا جوهريًا حول إمكانية عودة هذه التدفقات النقدية الحيوية إلى مستوياتها السابقة بحلول عام 2026، مع التركيز على تحليل أرقام البنك المركزي وتأثير تقلبات سعر الصرف.
تُمثل تحويلات المصريين العاملين بالخارج حجر زاوية لا غنى عنه في استقرار الاقتصاد الوطني، ومصدرًا حيويًا للعملة الصعبة التي تدعم احتياطيات البلاد وتُسهم في تمويل الواردات وسداد الالتزامات الخارجية. على مدار عقود، شكلت هذه التحويلات رافدًا ثابتًا ومُتناميًا، بلغت ذروتها أرقامًا تاريخية فاقت الثلاثين مليار دولار سنويًا قبل عام 2022. إلا أن المشهد تغير بحدة بعد ذلك التاريخ، حيث شهدت هذه التدفقات تراجعًا ملحوظًا، مدفوعةً بجملة من التحديات الاقتصادية المحلية والعالمية. يأتي هذا التحليل لاستكشاف آفاق عودة هذه التحويلات إلى مستوياتها المزدهرة بحلول عام 2026، مع الغوص في أرقام البنك المركزي وتأثير سعر الصرف كعامل محوري في رسم مسارها.
تُشير بيانات البنك المركزي المصري إلى أن تحويلات المصريين العاملين بالخارج تجاوزت حاجز الـ 31 مليار دولار في السنة المالية 2020/2021، واستمرت عند مستويات مُقاربة في السنة المالية التي تلتها. لكن سرعان ما بدأت المؤشرات تتجه نحو الهبوط في عام 2022، وتفاقم الانخفاض في عام 2023، لتسجل أرقامًا أقل بكثير من متوسطاتها التاريخية. يمكن تفسير هذا التراجع الحاد بعدة عوامل متداخلة، أبرزها – وربما الأكثر تأثيرًا – هو اتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر الصرف في السوق الموازية. هذا التباين خلق حافزًا قويًا للمُحولين لإرسال أموالهم عبر قنوات غير رسمية، سعيًا للحصول على سعر صرف أعلى، مما أدى إلى حرمان القنوات الرسمية من مبالغ ضخمة من العملة الصعبة، وتركت أثرًا مباشرًا على الإحصائيات الرسمية للبنك المركزي.
## دور سعر الصرف في مسار التحويلات
يُعد سعر الصرف المتغير الوحيد الأكثر حساسية وتأثيرًا في قرار المصريين بالخارج بتحويل أموالهم عبر القنوات الرسمية من عدمه. فمع تزايد الفجوة بين السعر الرسمي وغير الرسمي للدولار مقابل الجنيه المصري في السنوات القليلة الماضية، أصبح الحفاظ على قيمة التحويلات أولوية قصوى للمُرسلين. فعندما كان سعر الدولار في السوق الموازية يفوق السعر الرسمي بنسب تصل إلى 50% أو أكثر في بعض الفترات، كان من البديهي أن يتجه العديد من المُحولين إلى القنوات غير الرسمية، رغم المخاطر المحتملة، لضمان حصول أسرهم في مصر على أكبر قدر ممكن من الجنيهات المصرية مقابل تحويلاتهم الدولارية. هذا الوضع لم يُفقِد البنك المركزي مصدرًا حيويًا للعملة الصعبة فحسب، بل أثر أيضًا على ثقة المصريين بالخارج في التعامل مع النظام المصرفي الرسمي، وشجع على ظهور أنماط غير صحية من التحويلات.
مع إقدام البنك المركزي المصري في مطلع عام 2024 على خطوات جريئة لتحرير سعر الصرف، وتقليص الفجوة بشكل كبير بين السعر الرسمي وغير الرسمي، بل توحيدهما إلى حد كبير، تغير المشهد بشكل جوهري. من الناحية النظرية، يُفترض أن يُشجع هذا التوحيد والقضاء على السوق الموازية على عودة الثقة في القنوات المصرفية الرسمية. عندما يُصبح سعر الصرف موحدًا وواقعيًا، تزول الحوافز الرئيسية للجوء إلى الأسواق غير الرسمية، مما يُمهد الطريق أمام عودة التحويلات للتدفق عبر البنوك. بدأت بعض المؤشرات الأولية، وإن كانت غير حاسمة بعد، تُشير إلى تحسن طفيف في وتيرة التحويلات بعد هذه الخطوات، لكن استمرار هذا التحسن ووصوله إلى مستويات ما قبل 2022 يعتمد على عوامل أخرى تتعلق بالاستقرار الاقتصادي العام وثقة المُحولين في استدامة هذه السياسات.
بالإضافة إلى سعر الصرف، هناك عوامل أخرى مؤثرة على حجم التحويلات. تشمل هذه العوامل الوضع الاقتصادي للمصريين بالخارج، والذي يتأثر بأسعار النفط في دول الخليج العربي، والنمو الاقتصادي في أوروبا وأمريكا الشمالية. كذلك، تلعب السياسات الحكومية المصرية دورًا، مثل مبادرات استيراد السيارات للمصريين بالخارج، أو تسهيلات شراء العقارات بالدولار، والتي يمكن أن تحفز على تحويل الأموال. إضافة إلى ذلك، فإن مستويات التضخم في مصر، واستقرار بيئة الاستثمار، وتنافسية أسعار الفائدة على الودائع الدولارية في البنوك المصرية، كلها عوامل تُساهم في تشكيل قرار المُحولين حول كيفية وتوقيت إرسال أموالهم.

تم تحرير الخبر ونشره بواسطة القاهرة الكبرى
